نهاية عصر: أمريكا تسحب عضويتها من منظمة الصحة العالمية
Festv1/ ع.لخضر
في خطوة تاريخية تُنهي علاقة استمرت لنحو ثمانية عقود، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس، اكتمال انسحاب الولايات المتحدة رسميًا من منظمة الصحة العالمية، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية.
يأتي هذا القرار تتويجًا لتهديدات متكررة خلال فترتي ترامب الرئاسيتين، حيث أعلن عبر أمر تنفيذي في اليوم الأول من ولايته الثانية (20 يناير 2025) عزم البلاد الانسحاب من المنظمة الأممية المتخصصة.
بررت الإدارة الأمريكية قرارها بسلسلة من الانتقادات الحادة لأداء المنظمة، مركزة على تعاملها مع جائحة كوفيد-19. واتهم مسؤولون أمريكيون المنظمة بـ"التصرف بشكل مناقض لمصالح الولايات المتحدة" في حماية الصحة العامة.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الصحة: "لم نكن نحصل على عائد يُذكر مقابل أموالنا أو الكوادر التي قدمناها". وحددت الوزارة إخفاقات محددة شملت:
· تأخير إعلان حالة طوارئ صحية عالمية مع بداية الجائحة.
· تمجيد استجابة الصين رغم الأدلة على التبليغ المُبكر الناقص وقمع المعلومات.
· التقليل من أهمية الانتقال عبر الهواء ودور عديمي الأعراض في نشر الفيروس.
يُخلف الانسحاب أزمة تمويلية خانقة للمنظمة، حيث كانت الولايات المتحدة أكبر ممول لها على الإطلاق، مساهمة بنحو 18% من إجمالي ميزانيتها. والأشد إيلامًا أن واشنطن تترك وراءها دينًا مستحقًا للمنظمة يقدر بحوالي 260 مليون دولار كرسوم عضوية غير مدفوعة.
يثير هذا الدين خلافًا قانونيًا، إذ يشير خبراء إلى أن القرار المشترك للكونغرس الأمريكي الذي أذن بالانضمام للمنظمة عام 1948 يشترط سداد جميع الالتزامات المالية قبل الانسحاب. غير أن مسؤولًا أمريكيًا نفى أن يتضمن القانون مثل هذا الشرط الإلزامي، مما يترك المنظمة -بحسب الخبراء- بلا سلطة حقيقية لإجبار الولايات المتحدة على السداد.
دفعت هذه الأزمة المالية منظمة الصحة العالمية بالفعل إلى بدء تخفيضات جذرية في موظفيها، حيث من المتوقع أن تفقد حوالي ربع قوتها العاملة (22% من الموظفين) بحلول منتصف العام الجاري.
استقبل الأوساط العلمية والدولية القرار بموجة من التحذيرات القاسية. وصفه لورانس جوستين، الخبير البارز في قانون الصحة العالمي بجامعة جورجتاون، بأنه "أخطر قرار رئاسي شهده في حياته"، مؤكدًا أنه يضر بالمصلحة الوطنية والأمن الصحي للولايات المتحدة نفسها.
وحذرت الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية من أن الانسحاب "مُتلف علميًا" لأنه يتجاهل الطبيعة العابرة للحدود للأمراض المعدية، مشيرة إلى أن التعاون العالمي ليس ترفًا بل "ضرورة بيولوجية".
ومن جانبه، وصف المدير العام للمنظمة، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الانسحاب سابقًا بأنه وضع "خسارة-خسارة"، معلقًا: "الولايات المتحدة تخسر، وبقية العالم، نعلم بالتأكيد، تخسر أيضًا".
مع إغلاق الباب رسميًا أمام العضوية، أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها قيادة الصحة العالمية عبر قنوات ثنائية ومباشرة مع الدول الأخرى، والتعاون مع المنظمات غير الحكومية، من خلال مركز الصحة العالمي التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
لكن خبراء يشككون في فعالية هذه المقاربة. يقول خبراء سابقون في مراكز السيطرة على الأمراض إن النظام الثنائي سيكون "مرقعًا" ولا يمكنه أبدًا أن يحل محل النظام الشامل والمنسق الذي توفره منظمة الصحة العالمية، خاصة أن وجود مراكز السيطرة على الأمراض يقتصر على حوالي 60 دولة فقط وليس جميع دول العالم.
ويحذر محللون من أن الولايات المتحدة قد تصبح "الأخيرة من يعلم" عند ظهور التهديدات الصحية الجديدة، كما ستفقد نفوذها في تشكيل الاستجابات العالمية وتطوير اللقاحات من خلال الوصول المباشر للبيانات الوبائية والعينات الفيروسية.
طوي انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية صفحة طويلة من التعاون بدأت مع تأسيس المنظمة نفسها تقريبًا. بينما تحتفل الإدارة الأمريكية بـ"وعدٍ تم الوفاء به"، يظل السؤال معلقًا: هل ستنجح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في حماية مواطنيها والعالم في عصر تزداد فيه الأمراض المعدية اختراقًا للحدود؟ الإجابة قد لا تأتي إلا مع ظهور التهديد الصحي العالمي الكبير المقبل.