لماذا ننتظر حتى يموت الإنسان لنقول عنه أجمل الكلمات

لماذا ننتظر حتى يموت الإنسان لنقول عنه أجمل الكلمات

Festv1/ ع.لخضر/

في عالمنا المليء بالضجيج والانشغالات، كثيرًا ما تمر علاقاتنا الإنسانية بحالة من الصمت العاطفي المريب. نعيش جنبًا إلى جنب، نعمل معًا، نحب بعضنا، لكن قلما نتفوه بالكلمات الجميلة التي ترفع المعنويات وتثني على الإنجازات وتقدر الجمال الخفي في نفوس من حولنا.

هذه الظاهرة الغريبة تطرح سؤالاً مأساوياً: لماذا ننتظر حتى يموت الإنسان لنقول عنه أجمل الكلمات؟ لماذا تتحول الجنازات إلى ساحة للثناء والاعتراف بالجميل، بينما نقتصد في كل كلمة طيبة خلال الحياة؟

في مقبرة مزدحمة، وقف رجل في الخمسين من عمره يودع صديق طفولته. كانت كلمات النعي تفيض بالحرارة: "كان أخاً لم تلده أمي"، "أكثر شخص مخلص عرفته"، "كنت أستشيره في كل صغيرة وكبيرة". التفت الرجل إليّ وقال بعيون دامعة: "لماذا لم أقل له هذا عندما كان حياً؟"

هذه القصة الصغيرة تختزل المأساة الكبيرة. نحن نعيش في مجتمعات أصبحت فيها المشاعر الإيجابية نوعاً من الكماليات، أو ربما من المحرمات. نخاف من أن يفسر ثناؤنا على الآخرين بشكل خاطئ، أو نخشى أن يزيد الثناء من غرور من نحب، أو ببساطة نعتقد أن هناك "وقتاً مناسباً" سنقول فيه كل ما بداخلنا.

لكن الحقيقة المرة هي أن الموت يحول كلماتنا الجميلة إلى طقوس فارغة بالنسبة للميت. إنها أصبحت مخصصة للأحياء فقط، لتعزيتهم، لتهدئة شعورهم بالذنب، لملء الفراغ الذي تركه الفقيد.

الظاهرة ليست فردية بل مجتمعية. في العمل، نتردد في مدح زميل مبدع خشية اتهامنا بالمحاباة. في الأسرة، نعتقد أن التعبير عن الحب ضعف. في الصداقة، نظن أن الوفاء أفعال لا أقوال. فننسى أن الكلمات الطيبة هي وقود النفوس، وهي التي تعيد شحن طاقتنا للاستمرار.

علماء النفس يؤكدون أن تلقي feedback إيجابي يطلق نفس المواد الكيميائية في الدماغ التي تنتج عن المكافآت المادية. كما أن التعبير عن الامتنان والتقدير يزيد من سعادة الشخص المعبر نفسه أيضاً.

لذلك، قد يكون الحل في كسر هذه الدائرة المفرغة من الصمت العاطفي. لماذا لا نكتب تلك الكلمات الجميلة في بطاقة ونرسلها اليوم؟ لماذا لا نرفق مكالمة عابرة بكلمة ثناء صادقة؟ لماذا لا نجعل من حياتنا مناسبة دائمة للاحتفال بمن نحبهم؟

لننتقل من ثقافة "النعي المتأخر" إلى ثقافة "التقدير المبكر". لنقل الكلمات الجميلة عندما يمكن للأذن أن تسمعها، والعين أن تدمع منها، والقلب أن يخفق فرحاً بها.

في النهاية، الموت حق، لكن الحياة هدية. والأجمل أن نمنح كلماتنا الجميلة كهدية لأحياء يستحقونها، بدلاً من إهدائها لأموات لن يستفيدوا منها. لأن أروع كلمات المديح هي تلك التي تقال حين يمكن أن تصل إلى القلب النابض، لا إلى القبر الصامت.