متى تتساقط الأقنعة؟.. رحلة البحث عن الإنسان خلف لقب الأب
Festv1// ع.لخضر
في أحد أيام الخريف الباكرة، وجدتُ نفسي أتأمل صورة قديمة لأبي وأنا في السادسة من عمري، جالسٌ على كتفيه ضاحكًا. وتساءلت: متى تحول هذا العملاق الحاني في مخيلتي إلى مجرد "رجل يغادر باكراً ويعود ليلاً"؟ متى انكسر التمثال، ولم نعد نرى إلا الإنسان العادي الحامل لهمومه، محدودًا، والمصقول بندوب الحياة؟ هذا التحول ليس حكرًا على بيت دون آخر، بل هو ظاهرة جيلية تستحق التوقف.
- الأسطورة الأولى: الأب كـ"رمز" لا كـ"كائن"
نشأ الكثير منا في مجتمعاتنا العربية على صورة الأب "السد المنيع" و"مزود الأرزاق" و"صاحب القرار المطلق". هذه الصورة، رغم ما تمنحه من شعور بالأمان في الطفولة، تخلق فجوة عاطفية هائلة عندما نبدأ في اكتشاف أن خلف هذا الدور المهيب، هناك إنسان قد يكون خائفًا، تائهًا، أو مجروحًا. السؤال هنا: هل كنا نتعامل مع أبٍ حقيقي، أم مع رمز اجتماعي فرضته علينا الثقافة؟
- لحظة الانكسار: عندما يتحول "والدي" إلى "مجرد رجل"
تأتي هذه اللحظة غالبًا في مرحلة المراهقة المتأخرة أو الشباب المبكر، عندما نبدأ في ملاحظة التناقضات: الرجل الذي كان يقدم لنا الدروس في القوة قد يكون عاجزًا أمام خسارة وظيفته، أو ضعيفًا في علاقته الشخصية. هذه ليست خيبة أمل، بل هي أولى خطوات النضج الحقيقي: وهي القدرة على رؤية الآخرين – حتى أقرب الناس إلينا – في كامل إنسانيتهم، بكل عظمتهم ونقائصهم.
- لماذا يصدمنا هذا الاكتشاف؟
الصدمة لا تأتي من رؤية عيوب الأب، بل من انهيار نظام اعتقادي كامل بنيناه في الطفولة. لطالما نظرنا إلى العالم من خلال فئة "الوالدين" الكاملين، فحين نكتشف عدم كمالهم، يبدو العالم نفسه أقل أمانًا. لكن المفارقة أن هذه هي النافذة الوحيدة لبناء علاقة حقيقية معهم، علاقة قائمة على التفهم والتقبل، لا على التوقعات والأدوار الجامدة.
- نحو علاقة جديدة: من "الأب-الرمز" إلى "الإنسان-الصديق"
هذه الرحلة تنتهي بسلام حين نتمكن من:
· فصل الدور عن الإنسان: تقدير الجهد الذي بذله في دوره كوالد، مع تقبل إنسانيته الهشة.
· ممارسة التعاطف: تخيل الحياة من منظوره، مع ضغوط جيله وتوقعات مجتمعه وما حرم منه.
· إعادة تعريف العلاقة: بناء جسر جديد للتعامل قائم على الصداقة والنصح المتبادل، بدل السلطة الأحادية.
في النهاية، ربما ليس "والدنا" هو الذي تغير، بل نظرتنا نحن هي التي نضجت. ذلك الطفل الذي كان يرى عملاقًا، صار شابًا يرى إنسانًا. وهذه ليست خسارة، بل ترقية. ترقية للعلاقة من مرتبة الطاعة العمياء إلى مرتبة الحب الواعي. حين نرى أباءنا بشرًا، نمنحهم – ولأول مرة – الإذن بأن يكونوا على طبيعتهم، ونمنح أنفسنا هدية التحرر من وهم الكمال، لنبدأ رحلة المصالحة مع أعقد وأجمل العلاقات في حياتنا.
