تجار المناسبات والأزمات

تجار المناسبات والأزمات

Festv1// محمد بنيحيى 

بمدينة فاس وعلى غرار معظم مدن المغرب، ومع اقتراب كل مناسبة دينية كعيد الأضحى أو عيد الفطر، أو أزمة دولية في قارة أخرى، يتحول التاجر من الإنسان الاجتماعي القنوع إلى شخص جشع ومستغل للفرصة فتتكرر بالمغرب مشاهد الارتفاع الصاروخي للأسعار، في سلوك بات يؤرق الأسر المغربية ويكشف عن وجه آخر لما يمكن تسميته بـ"تجارة الأزمات والمناسبات". فبدل أن تشكل هذه المناسبات فرصة لترسيخ قيم التضامن والتكافل الاجتماعي، تتحول عند بعض المضاربين والوسطاء إلى موسم مفتوح لتحقيق الأرباح السريعة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

وقبيل عيد الأضحى لسنة 2026، عرفت الأسواق الوطنية موجة غير مسبوقة من الزيادات شملت مختلف المواد الأساسية المرتبطة بالعيد، حيث ارتفعت أسعار الخضر والفواكه إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف في أقل من أسبوع، كما شهدت أسعار المواد الغذائية والتوابل زيادات وصفت من قبل المواطنين بغير المبررة، في وقت قفز فيه ثمن الفحم أو ما يعرف بـ”الفاخر” إلى مستويات قياسية تجاوزت بدورها ثلاثة أضعاف السعر المعتاد.

هذه الزيادات المتزامنة لا يمكن تفسيرها فقط بمنطق العرض والطلب، بقدر ما تعكس وجود اختلالات عميقة في منظومة المراقبة والتتبع، وغياب تدخلات استباقية فعالة لحماية المستهلك من جشع المضاربين. فمن غير المقبول أن تتحول المناسبات الدينية، التي يفترض أن تكون عنواناً للرحمة والتآزر، إلى فرصة لابتزاز الأسر واستنزاف ميزانياتها في ظرف اقتصادي صعب يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات تتكرر كل سنة تقريباً دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لتفعيل القوانين الزجرية أو محاسبة المتورطين في الاحتكار والمضاربة غير المشروعة. فغياب المراقبة الصارمة، وضعف آليات ضبط الأسواق، وغياب العقوبات الرادعة، كلها عوامل تفتح المجال أمام فئة من “تجار المناسبات” لاستغلال حاجة المواطنين وفرض أسعار بعيدة عن أي منطق اقتصادي أو أخلاقي.

إن حماية القدرة الشرائية للمواطن ليست مجرد شعار ظرفي، بل مسؤولية جماعية تتطلب يقظة مؤسساتية دائمة، تبدأ بتشديد المراقبة على مسالك التوزيع والأسواق، مروراً بتفعيل قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، وصولاً إلى الضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه في المضاربة والتلاعب بالأسعار.

كما أن تعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي وترسيخ قيم التضامن المجتمعي يظلان عنصرين أساسيين في مواجهة هذه الظاهرة، لأن الأسواق لا تستقيم فقط بالقوانين، بل أيضاً بالأخلاق وروح المسؤولية.

ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى ستظل المناسبات الدينية والاجتماعية موسماً مفتوحاً للاغتناء غير المشروع على حساب المواطن البسيط؟ وإلى متى سيستمر بعض المتدخلين في تحويل فرحة الأسر إلى عبء اقتصادي ثقيل، في ظل غياب رقابة حقيقية تعيد التوازن للأسواق وتحمي المستهلك من جشع لا يعترف لا بمناسبة دينية ولا بظرف اجتماعي؟