القطاع الخاص للصحة في إفريقيا.. ازدهار السوق على حساب تراجع دور الدولة
Festv1/ ع.لخضر
في السنوات الأخيرة، برز القطاع الخاص في مجال الرعاية الصحية في إفريقيا كقوة اقتصادية وتجارية، تتوسع في المدن وتستثمر بكثافة في العيادات والمختبرات والمصحات الخاصة، ويُنظر إليها من طرف البعض كخيار حديث يوفر خدمات أسرع وأفضل مقارنة بالقطاع العام.
توسع القطاع الخاص: بين الفرص والتهديدات
في العديد من الدول الأفريقية، يعمل القطاع الخاص في الصحة على تعويض النقص في الخدمات الصحية العامة، خصوصًا في المناطق الحضرية المزدحمة. تنتشر المصحات الخاصة، وعيادات الأطباء، وصيدليات التشخيص، وتستقطب شريحة من المرضى القادرين على الدفع. بموازاة ذلك، يرى بعض المحللين أن هذا التوسع لا يعود فقط إلى حاجة اجتماعية، بل إلى سوق مربح يستفيد من ضعف وتشوه أنظمة الصحة العمومية.
لكن هذا النمو له وجه آخر أقل إشراقًا:
• في ظل إمكانيات الدولة المحدودة في الإنفاق على الصحة، يتحول الأمر إلى سوق لا يهمه سوى الربح، مما يجعل جزءًا كبيرًا من السكان — وخصوصًا الفئات الضعيفة — غير قادرين على تحمل تكاليف العلاج.
• القطاع العام يتراجع تدريجيًا في توفير الخدمات الأساسية، في مقابل ازدهار المصحات والعيادات الخاصة في المدن الكبرى، حيث المرضى الذين لديهم المال يحصلون على خدمات أسرع، بينما الباقون يعانون.
ترجع أسباب تراجع دور الدولة في الصحة إلى عدة عوامل، من بينها:
• ضعف التمويل العمومي للنظام الصحي، مما يضعف قدرته على توفير تغطية متكافئة للمواطنين.
• زيادة الضغط المالي على ميزانيات الدول الأفريقية، نتيجة ارتفاع الديون وتقليص الإنفاق العام. تقارير دولية أشارت إلى أن السياسات المالية التي تشجع على خفض الإنفاق العام تجعل الدول تُنقل جزءًا من مسؤولياتها إلى القطاع الخاص أو تمويل مباشر من المواطن.
• نقص الموارد، مثل الأطباء والأدوية والمعدات الطبية في المستشفيات العمومية، ما يدفع المرضى للجوء إلى القطاع الخاص بصورة متزايدة.
كيف يؤثر هذا على المواطنين؟
يتضح التأثير بشكل جلي على حياة الناس:
• الفقراء والمهمشون يجدون صعوبة في الوصول للعلاج، خصوصًا تلك العلاجات المكلفة أو المتخصصة.
• في بعض الحالات، قد يتسبب رفع الرسوم عن المرضى في التراجع عن الخدمات الصحية الأساسية.
• إذ أن الرعاية الصحية تتحول من حق اجتماعي إلى سلعة تباع وتشترى، ما يعمّق الفوارق الاجتماعية.
قراءة مغاربية واقعية
ما يحدث في إفريقيا ليس بعيدًا عن تجارب المغرب والدول العربية الأخرى، حيث بدأت تظهر دعوات لتقنين العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في القطاع الصحي، وتشديد الرقابة لضمان توازن أفضل في الخدمات، بحيث لا يتحول الربح إلى الهدف وحده، بل يظل الحق في الصحة متاحًا للجميع.
نحو شراكة متوازنة
من الواضح أن القطاع الخاص يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في سد بعض النقائص في أنظمة الرعاية الصحية، خاصة إذا تم تنظيمه بشكل جيد، لكن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولياتها الأساسية في توفير الصحة كخدمة اجتماعية.
الحل الحقيقي يكمن في:
1. تعزيز الأنظمة الصحية العمومية بتمويل واستثمار مناسب.
2. وضع سياسات تنظيمية واضحة للشراكات بين القطاعين العام والخاص.
3. ضمان وصول عادل إلى الخدمات الطبية بجودة عالية دون أن تكون فوق طاقة المواطنين.
إحصائيات عالمية ومحلية حول الإنفاق الصحي ونمو القطاع الخاص
تفيد بيانات عالمية وأخرى خاصة بالمغرب أن الإنفاق على الصحة يشهد تفاوتات كبيرة بين الدول وبين القطاع العام والخاص، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرة المواطنين في الحصول على خدمات صحية جيدة.
1. الإنفاق الصحي عالمياً
• تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 4.5 مليار شخص في العالم يفتقرون إلى الخدمات الصحية الأساسية بشكل كامل، ويواجه نحو 2 مليار شخص صعوبات مالية بسبب التكاليف الصحية. هذا يبرز أهمية التمويل العام للصحة كأولوية استراتيجية للدول.
• في المتوسط، الدول ذات الدخل العالي تنفق على الصحة أضعاف ما تنفقه البلدان منخفضة الدخل، ففي بعض التقديرات تنفق الدول الغنية نحو 60 مرة أكثر لكل فرد مقارنة بالبلدان الفقيرة، مما ينعكس على جودة الخدمات ونتائج الصحة العامة.
2. الإنفاق الصحي في المغرب
في المغرب، تُظهر الإحصائيات الرسمية والفنية أرقامًا هامة حول الإنفاق الإجمالي على الصحة وتوزيعه بين القطاعين العام والخاص:
• نسبة الإنفاق الصحي من الناتج المحلي الإجمالي بلغت حوالي 5.7% في عام 2022، وهو مبلغ إجمالي يشمل الإنفاق العام والخاص معًا.
• في ميزانية 2026، قدر الإنفاق المقرر لقطاع الصحة في المغرب بنحو 42.4 مليار درهم (~3.9 مليار دولار)، ما يمثل حوالي 4.7% من الميزانية العامة للدولة. كما بلغ نصيب الفرد من الإنفاق الصحي نحو 101 دولارًا سنويًا، وهو رقم منخفض مقارنة بدول كثيرة أخرى.
• تقرير حديث أشار إلى أن القطاع الخاص في الرعاية الصحية يساهم بنحو 58% من إجمالي الإنفاق الصحي في المغرب، بينما يساهم القطاع العام بنسبة 42% فقط، رغم أن الدولة تبقى المزود الرئيسي للخدمات.
• مع ذلك، المدفوعات المباشرة من المواطنين (out-of-pocket) لا تزال مرتفعة، حيث يتحمل الأسر بنسبة نحو 38% من تكاليف الرعاية الصحية، في حين أن منظمة الصحة العالمية توصي بأن لا يتجاوز هذا العبء 25% لتوفير حماية مالية حقيقية للأسر.
3. القطاع الخاص ونموه
• يتضح من التقارير أن القطاع الخاص في المغرب يشمل أكثر من 400 مصحة وعيادة خاصة، مع تركيز كبير في المدن الكبرى، ويضم آلاف الأطباء وسعة أسِرّة ضخمة في هذه المصحات، في مقابل عدد أقل للمستشفيات العمومية.
• مثل هذا النمو يعكس توجهًا نحو اقتصاد السوق في الصحة، حيث تقوم المؤسسات الخاصة بتقديم خدمات مقابل الدفع، ما يمكن أن يوفر بدائل في بعض الحالات، لكنه في نفس الوقت يزيد من التفاوت في الوصول إلى الخدمات بين طبقات المجتمع.
قراءة تحليلية مختصرة
على المستوى العالمي، يُعتبر التمويل العام للحماية الصحية أمرًا حاسمًا لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، ومع ذلك تبقى العديد من الدول، خاصة منخفضة ومتوسطة الدخل، عاجزة عن تمويل هذا الجانب بشكل كافٍ، مما يؤدي إلى زيادة العبء على الأسر.
في المغرب، رغم الجهود الحكومية، يظل العبء المالي على الأسر مرتفعًا نسبيًا، ويمثل القطاع الخاص الجزء الأكبر من الإنفاق الصحي، وهو ما يثير تساؤلات حول العدالة في الوصول إلى الرعاية، خاصة للفئات الضعيفة.
هذا الفارق في التمويل بين القطاعين يشير إلى أن النمو في الخدمات الصحية الخاصة لا يضمن في حد ذاته تحسين الصحة العامة، ما لم يصاحبه دعم أقوى للقطاع العام وسياسات أكثر عدالة في التمويل والتوزيع.