الوصول إلى الأدوية والابتكارات في المغرب العربي..بين السعر والتوفر والإنتاج المحلي

الوصول إلى الأدوية والابتكارات في المغرب العربي..بين السعر والتوفر والإنتاج المحلي

Festv1/ ع.لخضر 

تشكل مسألة الوصول إلى الأدوية والابتكارات الطبية تحدياً محورياً لصحة الشعوب في دول المغرب العربي. فبينما تتقدم التكنولوجيا الدوائية وتظهر أدوية مبتكرة قادرة على تغيير مسارات علاجية لامراض مزمنة ونادرة، تظل القدرة على تأمين هذه الأدوية بأسعار معقولة وباستمرارية في التزويد قضية مركزية للمواطنين و لسياسات الصحة العمومية. يتطلب تحقيق «وصول عادل» مزيجاً من حماية مالية للمرضى، وتأمين سلسلة التوريد، وسياسة وطنية وإقليمية تشجع على إنتاج محلي مستدام.

الوضع الراهن والرهانات

تشهد المنطقة تضارباً بين حاجات كبيرة وموارد محدودة. تكاليف الابتكارات الدوائية الجديدة مرتفعة، ما يضع عبئاً مباشراً على جيوب الأسر وأنظمة الضمان الصحي. من جهة أخرى، تعتمد كثير من البلدان على استيراد أدوية حيوية، فتتعرض لسلسلة توريد هشة وعُرضة لنقصات مفاجئة أو تقلبات الأسعار عالمياً. هذا الواقع يبرز ثلاثة أهداف استراتيجية متشابكة: الوصول العادل للدواء، الابتكار الدوائي المستدام، واستعادة السيادة الدوائية عبر إنتاج محلي قوي.

التحديات الأساسية

 1. حماية مالية ضعيفة: تغطية التأمين الصحي الجزئية أو غياب برامج دعم لبعض الأدوية يجعل الأسر تتحمّل نفقات مباشرة قد تؤدي إلى معاناة اقتصادية أو تخلي عن العلاج.

 2. تكلفة الابتكارات: ارتفاع أسعار الأدوية الجديدة يحدّد إمكانية توفّرها في السوق المحلية، خصوصاً الأدوية المستهدفة والأدوية البيولوجية.

 3. أمن الإمدادات: اعتماد الاستيراد وكثافة السلاسل الدولية تعرّض السوق المحلي لانقطاعات قد تهدد استمرار العلاجات.

 4. ضعف البنية الصناعية والبحثية المحلية: نقص الاستثمارات في التصنيع الدوائي والبحث والتطوير، وقصور في المناخ القانوني والتقني، يقلّلان من إمكانيات الإنتاج المحلي والتصدّي للاحتياجات الخاصة بالمنطقة.

 5. تشريعات وتنظيم متفرّقة: تفاوت المعايير التنظيمية والدوائية بين بلدان المنطقة يصعّب التعاون الإقليمي ويعرقل تعميم حلول مشتركة.

مقترحات سياسية واستراتيجية

لضمان انتقال فعّال نحو منظومة دوائية أكثر عدالة واستدامة، نقترح مجموعة إجراءات عملية قابلة للتطبيق على المستوى الوطني والإقليمي:

1. تعزيز الحماية المالية للمواطنين

 • توسيع تغطية الأنظمة التأمينية لتشمل الأدوية الأساسية والابتكارات ذات الأثر الصحي الكبير، مع آليات لدعم الفئات الضعيفة.

 • اعتماد قوائم أدوية محدثة تستند إلى الأدلة العلمية وقيمتها الصحية والاقتصادية (HTA — تقييم التكنولوجيا الصحية) لتوجيه التمويل.

2. سياسة أسعار وشراء ذكية

 • إرساء آليات تفاوضية جماعية أو مشترية إقليمية لخفض الأسعار من خلال تجميع الطلبات.

 • تشجيع استخدام النسخ الجنيسة ذات الجودة المعتمدة كخيار أساسي لتقليل النفقات وتحسين التوفر.

3. تشجيع الإنتاج المحلي والابتكار الإقليمي

 • تحفيز الاستثمار في صناعة الدواء الوطنية عبر حوافز ضريبية، شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتسهيل الحصول على التمويل.

 • إنشاء منصات للتعاون البحثي وتبادل التكنولوجيا بين مختبرات وأكاديميات المنطقة، مع اتفاقيات لنقل المعرفة والتصنيع بموجب شروط عادلة.

4. ضمان أمن الإمدادات وسلاسل توريد مرنة

 • بناء مخزونات استراتيجية وإدارة مخاطر لسلاسل التوريد، مع تحسين البنية التحتية للانتقال الحراري واللوجيستي.

 • تنويع مصادر التوريد والدفع نحو تكامل إقليمي يقلّل الاعتماد على سوق واحد خارجي.

5. توحيد الأطر التنظيمية

 • العمل على تقارب أو مواءمة معايير التسجيل والمراقبة الدوائية بين بلدان المغرب لتمكين تسويق أسرع للمنتجات المضمونة الجودة داخل المنطقة.

 • تعزيز قدرات الهيئات الرقابية الوطنية على التفتيش وضمان الجودة والامتثال للممارسات الجيدة للتصنيع.

6. تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية

 • نشر معلومات واضحة عن أسعار الأدوية وسياسات الشراء والميزانيات المخصصة للصحة.

 • إشراك المجتمع المدني والمهنيين الصحيين في تصميم سياسات دوائية تُراعي واقع المرضى واحتياجات النظام الصحي.

إن تحقيق وصول عادل ومستدام إلى الأدوية في دول المغرب ليس رفاهية بل ضرورة صحية واجتماعية واقتصادية. يتطلب ذلك رؤية سياسية متكاملة تجمع بين حماية مالية للمرضى، تأمين إمدادات موثوقة، ودفع طموح نحو إنتاج محلي قادر على تلبية الاحتياجات الأساسية والابتكارات المستقبلية. بالعمل المشترك — بين حكومات، قطاع خاص، ومجتمع مدني — يمكن للمنطقة أن تتحول من مجرد مستهلك للأدوية إلى فاعل إقليمي قادر على ضمان صحة المواطنين وسيادة دوائية أكثر استقراراً وعدلاً.