«Anti-Manuel de l’entrepreneur» بالمغرب: حين تصطدم قواعد النجاح بواقع المقاولة
Festv1/ ع.لخضر
بين النصائح الاستراتيجية وواقع التمويل، هل الأبواب مفتوحة فعلاً أمام كل المقاولين المغاربة؟
في مداخلة احتضنها مقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM)، اليوم، قدّم مولاي حفيظ العلمي عرضاً بعنوان «Anti-Manuel de l’entrepreneur»، استعرض من خلاله عشر قواعد لتدبير المقاولة، شملت القرب من الزبائن، والانطلاق من الأسواق الكبرى، والتركيز على المهن الأساسية، والتخلي عن بعض الأنشطة، والاندماج قبل التنويع، والاستعانة بالكفاءات، والاستعداد للاستمرارية.
هي أفكار تحمل، في جانب منها، وجاهة استراتيجية واضحة، وتستحق النقاش. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز مدى صحة هذه القواعد من الناحية النظرية: هل تتوفر للمقاول المغربي الشروط الضرورية لتطبيقها أصلاً؟
تبدو القواعد العشر، للوهلة الأولى، وكأنها تقدم خريطة طريق واضحة نحو النجاح: اختر السوق المناسب، اقترب من زبنائك، ركّز على نشاطك الأساسي، أحط نفسك بالكفاءات، واستعد للمستقبل.
لكن المقاولة ليست مجرد مجموعة من القرارات الجيدة، كما أن الفشل ليس دائماً نتيجة سوء التدبير أو غياب الرؤية الاستراتيجية.
ففي المغرب، قد يمتلك المقاول فكرة مبتكرة، ودراسة جدوى متماسكة، وتجربة مهنية معتبرة، وسوقاً قابلة للتطور، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على التمويل الضروري لإطلاق مشروعه أو توسيعه. وهنا لا تعود المشكلة في كيفية إدارة الموارد المتاحة، بل في غياب الموارد من الأساس.
حين تصبح «facilité de caisse» اختباراً للانتماء إلى عالم الأعمال
لعل أكثر ما يكشف الفجوة بين الخطاب المقاولاتي والواقع الاقتصادي هو صعوبة الولوج إلى التمويل البنكي، حتى عندما يتعلق الأمر بتسهيلات خزينة بسيطة نسبياً، مثل facilité de caisse.
فالمقاول الذي لا يتوفر على ضمانات عقارية كافية، أو شبكة علاقات مالية قوية، أو تاريخ بنكي مطمئن للمؤسسة الممولة، قد يجد نفسه أمام شروط يصعب استيفاؤها، رغم أن مشروعه قد يكون قابلاً للاستمرار والتطور.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يحصل المقاول على التمويل لأنه يمتلك مشروعاً واعداً، أم لأن وضعه المالي والعائلي يمنحه الضمانات التي تطمئن البنك؟
لا يمكن تعميم هذا الحكم على جميع المؤسسات البنكية أو جميع التجارب، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل النقاش حول وزن الضمانات الشخصية والعائلية في قرارات التمويل، ومدى قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على إثبات جدارتها الاقتصادية بمعايير تتجاوز حجم ممتلكات أصحابها.
فإذا كان الولوج إلى التمويل مشروطاً، عملياً، بامتلاك ما يضمنه، فإن المقاول الذي يحتاج إلى البنك لبناء ثروته قد يجد نفسه مطالباً بإثبات امتلاكه للثروة قبل أن يحصل على فرصة بنائها.
وهذه إحدى المفارقات التي تستحق أن تكون في صلب أي نقاش جدي حول ريادة الأعمال في المغرب.
إن الدعوة إلى استهداف الأسواق الكبرى أو الاندماج أو تنويع الأنشطة قد تكون مناسبة لمقاولة تتوفر على سيولة مريحة، وموارد بشرية مؤهلة، وشبكة توزيع مستقرة، وقدرة على تحمل المخاطر.
لكن ماذا عن المقاول الذي يواجه تأخر استخلاص مستحقاته، وارتفاع تكاليف التمويل، والضغط الجبائي والاجتماعي، وتعقيدات إدارية، ومنافسة غير متكافئة في بعض القطاعات؟
كيف يمكن مطالبته بالاستثمار في الابتكار، وهو منشغل بتأمين السيولة اللازمة لأداء أجور مستخدميه ومورديه؟
وكيف يمكن دعوته إلى التوسع، في حين أن مجرد تمويل دورة الاستغلال اليومية قد يتحول إلى معركة متواصلة؟
إن الحديث عن الاستراتيجية دون الحديث عن شروط تنفيذها قد يحوّل النقاش، من حيث لا نقصد، من مساءلة البيئة الاقتصادية والمؤسساتية إلى تحميل المقاول وحده مسؤولية تعثر مشروعه.
المقاول ليس دائماً مسؤولاً عن كل ما يعرقل مقاولته
من المهم التمييز بين نوعين من التحديات: تحديات داخلية يستطيع المقاول التأثير فيها، مثل جودة التدبير، واختيار الشركاء، والتحكم في التكاليف، وفهم السوق؛ وتحديات خارجية ترتبط بالتمويل، والإجراءات الإدارية، وشروط المنافسة، واستقرار القواعد الاقتصادية، وسرعة تحصيل المستحقات.
في الحالة الأولى، تصبح النصائح الاستراتيجية ضرورية. أما في الحالة الثانية، فإن المطلوب لا يقتصر على تطوير مهارات المقاول، بل يشمل أيضاً إصلاح البيئة التي يعمل فيها.
لا معنى لأن نطالب المقاول بأن يكون أكثر جرأة في الاستثمار، إذا كانت كلفة المخاطرة مرتفعة إلى حد يدفعه إلى تجميد مشاريعه. ولا يكفي أن ندعوه إلى الاستعانة بأفضل الكفاءات إذا كانت إمكانياته المالية لا تسمح له باستقطابها والاحتفاظ بها.
إن المقاول المغربي لا يحتاج فقط إلى دروس في القيادة والتخطيط؛ إنه يحتاج كذلك إلى منظومة تمنحه فرصة عادلة لتحويل قدراته وأفكاره إلى قيمة اقتصادية وفرص للشغل.
من «Anti-Manuel» إلى مساءلة المنظومة
لعل القيمة الحقيقية لمثل هذه المداخلات لا تكمن في تقديم قواعد جاهزة للنجاح، بل في فتح نقاش أعمق حول العلاقة بين مسؤولية المقاول ومسؤولية المنظومة الاقتصادية.
فإذا كانت القاعدة الأولى هي عدم تجاوز الخطوط الحمراء، فمن المشروع أن نسأل: أين تقف الخطوط الحمراء التي تفرضها صعوبات التمويل؟ وإذا كانت القاعدة هي الاندماج قبل التنويع، فكيف يمكن لمقاولة صغيرة أن تندمج أو تتوسع وهي تواجه صعوبة في تمويل نشاطها الأصلي؟ وإذا كانت القاعدة الأخيرة هي الاستعداد للاستمرارية، فهل تملك جميع المقاولات فرصاً متكافئة للاستمرار؟
هذه ليست أسئلة ضد المقاولة أو ضد المبادرة الخاصة، بل هي أسئلة من أجل اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة، تكون فيه الكفاءة والابتكار وجودة المشروع عناصر حاسمة في النجاح، لا مجرد عوامل ثانوية أمام حجم الضمانات المتاحة.
المطلوب ليس إلغاء النصائح، بل ربطها بالواقع
لا شك أن المقاول يحتاج إلى الرؤية، والانضباط، والقدرة على اتخاذ القرار، والاستعداد لتصحيح الأخطاء. لكن الاقتصاد لا يتطور بالخطاب التحفيزي وحده، كما أن نجاح المقاولات لا يمكن أن يُختزل في مدى التزام أصحابها بمجموعة من القواعد الإدارية والاستراتيجية.
المطلوب هو أن يترافق خطاب تشجيع المبادرة مع سياسات أكثر فعالية لتيسير التمويل، وتطوير ضمانات ملائمة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين آجال الأداء، وتبسيط المساطر، وتعزيز المنافسة العادلة.
كما أن على المؤسسات المالية والفاعلين الاقتصاديين تطوير نقاش صريح حول كيفية تقييم المشاريع بناءً على قدرتها الفعلية على خلق القيمة، وليس فقط بناءً على الضمانات التي يستطيع أصحابها تقديمها.
إن «Anti-Manuel de l’entrepreneur» قد يكون مدخلاً مفيداً للتفكير في أخطاء التدبير وخيارات الاستراتيجية، لكن أي قراءة نقدية لمستقبل المقاولة المغربية ينبغي ألا تتوقف عند سؤال: كيف يصبح المقاول أفضل؟
بل يجب أن تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف نبني منظومة اقتصادية تسمح للمقاول الكفء بالنجاح، حتى إن لم يولد في عائلة ميسورة، ولم يرث شبكة علاقات قوية، ولم يمتلك منذ البداية الضمانات التي تفتح له أبواب التمويل؟
فالمقاولة التي تنجح بفضل الكفاءة تستحق الاحتفاء، أما المقاولة التي لا تجد فرصتها إلا حين تتوفر لها الثروة والضمانات مسبقاً، فهي تضعنا أمام سؤال أكبر يتعلق بتكافؤ الفرص، وبمدى قدرة الاقتصاد المغربي على تحويل الطموح إلى نجاح حقيقي.
ولعل هذا هو النقاش الذي يستحق أن يستمر داخل CGEM وخارجه: ليس فقط كيف نُعلّم المقاول قواعد النجاح، بل كيف نجعل النجاح ممكناً أمام أكبر عدد من المقاولين .
