معايير جديدة وتحديات أكبر لتنظيم الماراطونات الدولية 2027

معايير جديدة وتحديات أكبر لتنظيم الماراطونات الدولية 2027

Festv1//عبد الله لخضر 

في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي تعرفها رياضة ألعاب القوى على المستوى الدولي، أصدر الاتحاد الدولي لألعاب القوى (World Athletics) نسخة جديدة من اللوائح المنظمة لاعتماد سباقات الطريق (Label Road Races Regulations)، الخاصة بسنة 2027، والتي تمت المصادقة عليها يوم 21 يوليوز 2026، ودخلت حيز التنفيذ ابتداءً من 3 غشت 2026.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديلات تقنية أو إدارية، بل بتوجه استراتيجي يرمي إلى الارتقاء بتنظيم الماراثونات والسباقات على الطريق، وتحويلها إلى تظاهرات رياضية متكاملة تستجيب لمعايير دولية دقيقة، تجمع بين التنافس الرياضي رفيع المستوى، وجودة التنظيم، وسلامة المشاركين، ومحاربة المنشطات، والتجربة المتميزة للعدائين والجمهور.

أولاً: أربعة مستويات للاعتماد الدولي

حددت اللوائح الجديدة أربعة مستويات للاعتماد:

1. World Athletics Label.

2. World Athletics Elite Label.

3. World Athletics Gold Label.

4. World Athletics Platinum Label.

ويعكس هذا التصنيف تدرجاً واضحاً في مستوى المتطلبات التنظيمية والرياضية، من السباقات التي تستجيب للمعايير الأساسية إلى التظاهرات العالمية ذات المستوى التنافسي والتنظيمي الأعلى.

ومن المهم التأكيد أن الحصول على اعتماد دولي لا يرتبط فقط باستقطاب عدائين معروفين أو تحقيق أرقام قياسية، بل يستوجب احترام منظومة متكاملة من المعايير التقنية والتنظيمية والمالية والصحية.

ثانياً: المنافسة الرياضية أصبحت معياراً أساسياً

من أبرز المستجدات تشديد الشروط المرتبطة بمستوى العدائين المشاركين.

فبالنسبة إلى اعتماد Elite، يتعين توفير ثمانية عدائين على الأقل من كل جنس، ممن حققوا خلال السنوات المحددة في اللوائح مستويات أداء تعادل 1115 نقطة وفق جداول التنقيط المعتمدة من الاتحاد الدولي.

أما اعتماد Gold، فيتطلب مشاركة أربعة عدائين على الأقل من كل جنس بمستوى Gold أو أعلى، إضافة إلى ثلاثة عدائين على الأقل من كل جنس بمستوى Elite.

وبالنسبة إلى Platinum، ترتفع المتطلبات إلى ثلاثة عدائين على الأقل من كل جنس بمستوى Platinum، وأربعة عدائين على الأقل بمستوى Gold أو أعلى.

وهذا يعني أن قيمة الماراثون لم تعد تقاس فقط بعدد المشاركين، بل كذلك بجودة النخبة الرياضية ومستوى التنافس الذي يوفره.

ثالثاً: الجانب المالي والجوائز يدخلان مرحلة جديدة

تؤكد اللوائح أن الجوائز المالية أصبحت إحدى الأدوات الأساسية لتطوير جاذبية السباقات الدولية.

فبالنسبة إلى الماراطونات الحاصلة على اعتماد Elite، تبلغ الجائزة الدنيا للفائز 20 ألف دولار، بينما تصل إلى 60 ألف دولار في سباقات Gold.

كما تفرض اللوائح تخصيص جوائز للمراكز الثمانية الأولى في سباقات الماراثون المعتمدة ضمن هذين المستويين.

وتحدد كذلك واجبات مالية على المنظمين للمساهمة في تمويل برامج مكافحة المنشطات، حيث تبلغ رسوم اعتماد الماراثون لسنة 2027:

* 4,500 دولار لاعتماد World Athletics Label.

* 8,000 دولار لاعتماد Elite.

* 35,000 دولار لاعتماد Gold.

* 75,000 دولار لاعتماد Platinum.

وتوضح هذه الأرقام أن الارتقاء بالتصنيف الدولي يتطلب رؤية مالية واضحة وشراكات مؤسساتية واستثماراً حقيقياً في جودة التنظيم.

رابعاً: السلامة الطبية وحماية العدائين أولوية لا تقبل التهاون

من أهم الجوانب التي تستحق الاهتمام في هذه اللوائح، التشديد على الخدمات الطبية والتأمين وسلامة المشاركين.

إذ يتعين على المنظمين توفير خدمات طبية تتناسب مع عدد المشاركين والظروف المناخية، وتعيين مدير طبي مؤهل، مع ضرورة إثبات مشاركته في تكوين متخصص في طب الطوارئ المرتبط بالسباقات مرة واحدة على الأقل كل ثلاث سنوات.

كما تفرض اللوائح التأمين ضد مسؤولية الغير لتغطية المخاطر والحوادث التي قد يتعرض لها العداؤون أو المسؤولون.

وتشمل متطلبات السلامة أيضاً إغلاق مسار السباق أمام حركة المرور طوال مدة المنافسة إلى غاية توقيت الإغلاق المعلن، وتوفير مراقبة عند التقاطعات، وتجهيز مناطق الانطلاق والوصول، وتنظيم الخدمات اللوجستية والإسعافات.

وهنا ينبغي التأكيد أن نجاح الماراثون لا يقاس فقط بلحظة الانطلاق أو وصول أول عداء، بل بمدى ضمان سلامة آلاف المشاركين من البداية إلى النهاية.

خامساً: محاربة المنشطات جزء من مصداقية السباق

تولي اللوائح الجديدة أهمية كبيرة لمكافحة المنشطات، من خلال برامج تتبع وفحوصات قبل المنافسة وأثناءها، بتنسيق مع وحدة نزاهة ألعاب القوى (AIU).

وقد حدد الاتحاد الدولي الحد الأدنى للفحوصات خلال المنافسة حسب مستوى الاعتماد:

* Platinum: اثنا عشر فحصاً.

* Gold: عشرة فحوصات.

* Elite: ثمانية فحوصات.

* World Athletics Label: ستة فحوصات.

وتتحمل الجهة المنظمة تكاليف هذه الفحوصات وفق الشروط المحددة، مع ضرورة تحليل العينات في مختبر معتمد من الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات.

إن هذه الإجراءات ليست مجرد التزام قانوني، بل ضمانة أساسية لحماية مبدأ تكافؤ الفرص وصيانة مصداقية النتائج الرياضية.

سادساً: التنظيم التقني والتكنولوجي لم يعد اختيارياً

تتضمن اللوائح شروطاً دقيقة تخص قياس المسار واعتماده دولياً، وتوفير التوقيت الإلكتروني بواسطة الشرائح لجميع العدائين الذين يصلون إلى خط النهاية، ونشر النتائج الرسمية في أسرع وقت ممكن.

كما تشدد على ضرورة تنظيم مناطق الانطلاق حسب السرعة والتوقيت المتوقع، وتوفير إشارات واضحة، ومراقبة المسار، وضمان عدم تداخل سباقات النخبة مع باقي المشاركين.

وتفرض على سباقات Platinum توفير شاشة فيديو عملاقة بمنطقة الوصول، كما تشترط توفير موقع إلكتروني باللغة الإنجليزية يتضمن لوائح الانطلاق والنتائج، مع متطلبات أعلى بالنسبة لسباقات Gold وPlatinum.

سابعاً: الاستدامة والحماية أصبحتا من معايير التقييم

من المستجدات المهمة أيضاً إدراج الاستدامة وحماية المشاركين ضمن الالتزامات التنظيمية.

إذ يتعين على منظمي السباقات احترام معايير الاستدامة الخاصة بالاتحاد الدولي والإبلاغ عن مدى تطبيقها، فضلاً عن تعيين مسؤول عن حماية المشاركين (Safeguarding Officer)، يتوفر على تكوين مناسب في هذا المجال.

وهذا يعكس تحولاً في مفهوم تنظيم التظاهرات الرياضية، حيث لم تعد الأولوية محصورة في الجانب التنافسي، بل أصبحت تشمل الأثر البيئي والاجتماعي، وحماية المشاركين وضمان بيئة رياضية آمنة.

ثامناً: ماذا تعني هذه التحولات بالنسبة للمغرب؟

بالنسبة للمغرب، الذي يتوفر على رصيد مهم في ألعاب القوى وعلى تقاليد عريقة في تنظيم الملتقيات والسباقات على الطريق، تمثل هذه اللوائح فرصة حقيقية لإعادة التفكير في النموذج التنظيمي للماراثونات والتظاهرات الرياضية.

فالرهان لم يعد تنظيم سباق ناجح من الناحية الجماهيرية فقط، بل بناء مشروع رياضي متكامل قادر على استقطاب النخبة الدولية، وتعزيز مشاركة العدائين المحليين، وتطوير الشراكات مع المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وربط الرياضة بالتنمية السياحية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، يمكن للمدن المغربية، ومنها مدينة فاس، أن تجعل من السباقات الدولية رافعة للتنمية المجالية والترويج السياحي والثقافي، شريطة اعتماد تخطيط استراتيجي طويل المدى، وتوفير بنية تنظيمية وتقنية وطبية ومالية تستجيب للمعايير الدولية.

كما ينبغي الانتقال من منطق تنظيم حدث رياضي سنوي إلى منطق صناعة علامة رياضية للمدينة، تستثمر في هويتها التاريخية والثقافية، وتربط بين الماراثون والسياحة والتراث والاقتصاد المحلي.

الخلاصة: الماراثون مشروع تنموي وليس مجرد سباق

إن الرسالة الأساسية التي تحملها لوائح الاتحاد الدولي لألعاب القوى لسنة 2027 واضحة: تنظيم الماراثونات أصبح صناعة متكاملة، تتطلب الكفاءة المهنية، والحكامة، والتخطيط المالي، والتأطير الطبي، والاحترافية التقنية، والالتزام بالاستدامة والنزاهة الرياضية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام منظمي السباقات في المغرب ليس فقط الحصول على اعتماد دولي، بل بناء منظومة مستدامة تجعل من التظاهرات الرياضية واجهة للمدينة، وأداة لتنشيط الاقتصاد والسياحة، وفرصة لتطوير ألعاب القوى الوطنية.

فالسباق الذي يصنع الفارق ليس فقط ذاك الذي يضم أكبر عدد من العدائين، بل الذي ينجح في الجمع بين جودة المنافسة، واحترافية التنظيم، وسلامة المشاركين، والأثر الإيجابي على المدينة والمجتمع .